الإمام أحمد بن حنبل

54

الزهد

إلى فرعون ، قال : لا يغركما لباسه الذي ألبسته فإن ناصيته بيدي ولا ينطق ولا يطرف إلا بإذني ولا يغركما ما متع به من زهرة الدنيا وزينة المترفين ولو شئت أن أزينكما من زينة الدنيا بشيء يعرف فرعون أن قدرته تعجز عن ذلك لفعلت وليس ذلك لهوان بكما علي ولكن ألبسكما نصيبكما من الكرامة على أن لا تنقصكما الدنيا شيئا وإني لأذود أوليائي عن الدنيا كما يذود الراعي إبله عن مبارك الغرة وإني لأجنبهم كما يجنب الراعي إبله عن مراتع الهلكة أريد أن أنور بذلك مراتبهم وأطهر بذلك قلوبهم في سيماهم الذي يعرفون به وأمرهم الذي يفتخرون به واعلم أن من أخاف لي وليا فقد بارزني بالعداوة وأنا الثائر لأوليائي يوم القيامة . 342 - حدثنا عبد اللّه حدثني أبي حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم بن معقل بن منبه أخبرنا عبد الصمد بن معقل ، قال : سمعت وهب بن منبه قال لما رأى موسى عليه السّلام النار انطلق يسير حتى وقف منها قريبا فإذا هو بنار عظيمة تفور من فرع شجرة خضراء شديدة الخضرة لا تزداد النار فيما يرى إلا عظما وتضرما ولا تزداد الشجرة على شدة الحريق إلا خضرة وحسنا فوقف ينظر لا يدري على ما يضع أمرها إلا أنه قد ظن أنها شجرة تحترق وأوقد إليها موقد فالها " 1 " فاحترقت فإنه إنما يمنع النار شدة خضرتها وكثرة مائها وكثافة ورقها وعظم جذعها فوضع أمرها على هذا فوقف وهو يطمع أن يسقط منها شيء يقتبسه فلما طال ذلك عليه أهوى إليها بضغث في يده وهو يريد أن يقتبس من لهبها فلما فعل ذلك موسى مالت نحوه كأنها تريده فاستأخر عنها وهاب ثم عاد فطاف بها فلم تزل تطمعه ويطمع فيها ولم يكن شيء بأوشك من خمودها فاشتد عند ذلك عجبه وفكر موسى في أمرها وقال هي نار ممتنعة لا يقتبس منها ولكنها تتضرم في جوف شجرة فلا تحرقها ثم خمودها على قدر عظمها في أوشك من طرفة عين فلما رأى ذلك موسى قال : إن لهذه النار لشأنا ثم وضع أمرها على أنها مأمورة أو مصنوعة لا يدري من أمرها ولا بما أمرت ولا من صنعها ولا لم صنعت فوقف متحيرا لا يدري أيرجع أم يقيم فبينما هو على ذلك إذ رمى طرفه نحو فرعها فإذا هو أشد ما كان خضرة وإذا الخضرة ساطعة في السماء ينظر إليه يغشى الظلام ثم لم تزل الخضرة تنور وتسفر وتبياض حتى صارت نورا ساطعا عمودا بين السماء والأرض عليه مثل شعاع الشمس تكل دونه الأبصار كلما نظر إليه يكاد يخطف بصره فعند ذلك اشتد خوفه وحزنه فرد يده على عينيه ولصق بالأرض وسمع الخفق والوجس إلا أنه يسمع حينئذ شيئا لم يسمع السامعون بمثله عظما فلما بلغ موسى الكرب واشتد عليه الهول وكاد أن يخالط في عقله في شدة الخوف لما يسمع ويرى نودي من الشجرة فقيل يا موسى فأجاب سريعا وما يدري من دعاه وما كان سرعة إجابته إلا استئناسا بالأنس فقال : لبيك مرارا إني أسمع صوتك وأوجس وجسك ولا أرى مكانك

--> ( 1 ) أي غصنا منها .